الأحد، 23 أغسطس، 2009

عن الأنثى إذا غنّت

رغم ما في الأغنية العربية من متعة لا حدّ لها، إلا أن هذه المتعة متعلقة، غالباً، بالجملة الموسيقية وبراعة العزف وحلاوة النغم وسحر الآلة الموسيقىة التي لا مثيل لها كالعود والقانون والناي.

أغلب من يؤرخون للأغنية العربية، رغم غياب تأريخ موسوعيّ كامل لها، ينطلقون من التطور في التعامل مع اللحن، فباستثناء ما يقال عن سيد درويش، إنه أول من غنّى كلاماً له معنى مترابط، وهو أول ما طوّع اللحن ليبدو متناسباً مع الكلام الذي يتغنّى به المغنّي، فإن التأريخ لرحلة الأغنية العربية أساسه اللحن، فهذه المرحلة شهدت تطوراً في الجملة اللحنية، وتلك شهدت تطوراً في التوزيع وأصبح هناك هارموني في استخدام الآلات الموسيقية المختلفة، وهكذا دواليك.

تناولت الأغنية العربية مواضيع شعرية كثيرة، هناك أغانٍ وطنية، وأخرى عن الغربة والحنين، وثالثة عن الحب الإلهي، رابعة عن الزهد ومواضيع متنوعة بالغة الثراء، وهناك أغانٍ، هي الأكثر، عن الحب.

عندي يقين أن العرب عندما غنّوا عن الحب تصدّوا له، غالباً، بسطحية بالغة. تختلف المقدرة الشعرية من مكان لآخر، ولكن غالباً ما تصطدم بالسطحية، خاصة، عندما يكون المغنى أنثى.

كثيراً ما تولول المغنية الأنثى فقدان الحبيب، أو عدم اهتمامه، تقول أسمهان "امتى حتعرف إمتى، إني بحبك أمتى"، أما "يا حبيبي تعالى الحقني شوف اللي جرالي"، رغم ما تحمله من جرأة محمودة للغاية في التعامل مع الذكر، وإخباره بأنها كلها، عقلها وقلبها وكيانها وجسدها، تحت تصرفه، فقط ما عليه إلا أن يرغب، فإنها تبقى في ذات الإطار، الصورة البدائية للعلاقة، طرف متلهف، وآخر يتمنّع، وكأن المفهوم الطبيعي للعلاقة هو شدّ وجذب.

أيضاً، الأنثى المغنية كثيراً ما تحكي عن ارتباكها عندما ترى من تحب، الارتباك الذي يصاحب بدايات القصص. يتجسّد بقوّة مع شادية التي تقول "ييجي أبويا يعوز فنجان قهوة.. أعمل له شاي واسقيه لأمي"، هذا الارتباك، يتناسب، كما يقولون، مع طبيعة الأنثى الشرقية، التي تخجل وتصاب الخفر والحياء إذا رأت ذكراً يافعاً شهياً طيب الرائحة مليح القوام وسيم الخلقة حلو الحديث. يبقى الأمر إذن، في سياق العادي، والذي، ولأنه كثيراً ما تكرر، صار مملاً، رغم أنه أحياناً كثيرة، كما في حالة شادية، يصدّر بشكل خفيف الظل، ممتع.

أم كلثوم عندما تغني عن الحب فإنها قد تدعو حبيبها إلى ليلة حب "هذه ليلتي"، وقد تعبّر عن غضبها وعن الاستياء "هجرتك" و"لسه فاكر" و"للصبر حدود" وغيرها الكثير، وقد تصف لحظة الارتباك هذه "أنت عمري" و"أمل حياتي". وهذا كله أيضاً، في سياق التعامل السطحي مع العلاقة، فالحبيب إمّا ملاك بدّل حياة الأنثى نوراً بعدما كانت ظلام، أو أنه شيطان أسود حوّل حياتها جحيماً لأنه كان حقيراً.

ليلى مراد تغنّي أغنية رائعة اسمها "يا مسافر وناسي هواك" ولكنّها تبقى في ذات السياق التقليدي – السطحي للتعامل مع العلاقة بين الذكر والأنثى، هي تريده، وهو مسافر وناسي هواه، هي تجتّر الذكريات وتبتلع حنينها مع موج مطروح وهو ليس بذي بال.

أسوأ شيء هو أنا تحب أغنية لا تصدقها، أسوأ شيء هو أن تكون هناك أغنية تعرّف يقيناً أنك لن تغنيها لمن تحب، أو، بصفتي ذكر، أدرك يقيناً أن فتاتي لن تغنّيها لي "هل مثلا أستطيع أن أتخيل أن تغني لي فتاتي (أمل حياتي يا حب غالي)؟ أو أن تغني لي (أنساك يا سلام أنساك ده كلام)"؟ المقاطع التي يمكن أن استقبلها من أم كلثوم كطرف في علاقة قليلة جداً، أذكر منها الآن "قربك نعيم الروح"، ولكنها تبقى بالغة السطحية. العلاقات أكثر عمقاً من ذلك كله. العلاقة كما أفهمها، أو كما أحبها، أبعد من أن أقول لمن أحب "أحبك، فعيناك رائعتان، أنت الأحلى، كما أن حياتي قبلك كانت ظلاماً بينما هي الآن فرح وسعادة".

في فترة ما، أواخر سبعينيات القرن الماضي، انفك جمود الشعر الغنائي، ولكن حدث ذلك على مستوى المغني الذكر، تحديداً أتحدث عن منير وعلي الحجار، ولكن بقيت الأنثى بعيدةٌ تماماً عن الصورة.

لماذا أكتب كل هذا الكلام؟ أريد أن أصل إلى نقطة مفصلية بالغة الأهمية. أريد أن أصل إلى عندي ثقة فيك.

(هنا، بقيت نحو خمس دقائق أبحث عن مصطلح يصوّر حالة الانبهار بالأغنية، دون أن أكون مبتذلاً، فلم أجد)

وقالت لي إنها تثق فيّ، وقالت لي إنها تكتبّ فيّ شعراً ونثراً، وأن كل الأشياء تنتهي عندي، وأنها مولعة بي (هل استخدم هذا التعبير من قبل في أغنية بمثل هذه السلاسة؟ لست أذكر)، وأنها لا تملك المزيد من أن تثق في وأن تكون مولعة بي وأن تنتهي كل الأشياء عندي "شو يعني بدّك موت فيك؟ إيه والله رح موت فيك".

هل من أنثى تعرف أنها في موقف القوة الذي يسمح لها أن تمنح من تحب الثقة؟ هي لم تخبره أنها تحبه، لأنه، ومن المفترض باعتبارهما في علاقة، أنها تحبه، ولكنها تخبره أنها تثق فيه. عندما قالت لي فتاة أحببتها ذات يوم، إنها تثق فيّ، شعرت برعشة أكثر إمتاعاً من اللحظة التي أخبرتي فيها أنها تحبني، وأكثر إثارة من اللحظة التي حظيت فيها بقبلتي الأولى من شفتيها.

هي تقول له إنه يتعامل مع حبها له، وهو "متل ما حدا حب، ولا بيوم رح بيحب"، باعتباره شيئاً عادياً، لم أفهم هنا أنها تقصد أنه "خاين غشاش بيلعب بيّا"، ولكنني فهمت أنه لا يعرف أن حبها له يمنحه قوة، وأنه لو عرف، فإن أشياءً كثيرةً ستتغير.

هل امتلكت أنثى تغني من قبل جرأة الإفصاح عن أنها تكتب لمن تحبّ نثراً وشعراً؟ أنها طرف فاعلٌ في العلاقة كما هو الذكر طرف فاعلٌ؟ أحبّ هنا أن الأنثى تخرج من نطاق المفعول به، وتمارس أشياءً تؤثر إيجاباً على طبيعة العلاقة، أشياءً تتجاوز الأفكار السطحية عن هذه العلاقة، الحب والهجر والخيانة والارتباكة الأولى.

أفتقد الأغنيات التي لا تفتقد التفاصيل الصغيرة في العلاقة، التفاصيل التي أحبها أنا في أي علاقة "لو شي مرة صبحية.. تفكّر تتصل فيي". أحب أن أستيقظ على صوت من أحب، وأحب أن يغني لي أحدهم أنه يحب الاستيقاظ على صوت من يحب!

هناك تعليق واحد: